ENGINEERING CONSULTANT GROUP
ملخص رسالة الدكتوراه
ملخص رسالة الدكتوراه المقدمة لجامعة باريس 8
مقدمة من : محمد محمود كمال إبراهيم أبو العلا
المدرس المساعد بكلية الهندسة ، جامعة المنيا
تاريخ المناقشة : 31 يناير 2011
عنوان الرسالة
مركز مدينة القاهرة في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية
تصميم حضري ، وظائف ، طريقة الوصول ، أنشطة السكان
http://tel.archives-ouvertes.fr/tel-00564429/fr
المشرف على الرسالة
M. Bouziane SEMMOUD
لجنة الحكم والمناقشة
M. Robert HERIN
أستاذ متفرغ بجامعة Caen Basse Normandie
رئيس اللجنة
Mme Anne-Marie FREROT
أستاذ في جامعة François Rabelais de Tours
عضوا
Mme Nathalie LEMARCHAND
أستاذ في جامعة باريس 8
عضوا
M. Bouziane SEMMOUD
أستاذ في جامعة باريس 8
عضوا ومشرفا

مقدمة
ظلت مصر لعدة عقود خاضعة لحكومات متعاقبة والتي تفتقر لرؤية شاملة فيما يختص بالسياسات الاقتصادية والحضرية وتأثيرها على المجتمع . توجد عدة عوامل رئيسية تسببت في وجود حالة من عدم الرضا لدى المواطن ومنها : عدم وجود حوار بين متخذي القرار والشعب مصحوبا بتخلي الحكومات مؤخرا عن الجانب الاجتماعي الخاص بالطبقات المتوسطة والفقيرة . ونجد أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 1952 حتى يومنا هذا قد تبنت مجموعة من السياسات والتي تسببت في تغيير الهرم الاجتماعي للمصريين . ويمكن القول أن هذه السياسات كانت المحرك الأساسي لمجموعة من المتغيرات الاجتماعية والسكانية والوظيفية .
انتقال الطبقات الغنية من منطقة وسط المدينة إلى ضواحي القاهرة أدي إلى تكون عدة مراكز ثانوية حول القاهرة الكبرى . هذه المراكز الجديدة شكلت عامل جذب للخدمات الفاخرة التي كانت موجودة في منطقة وسط المدينة لتستقر بالقرب من سكن عملائها بعد انتقالهم خارج القاهرة . على الرغم من فقدان منطقة وسط مدينة القاهرة للعديد من الخدمات الأساسية إلا أنه احتفظ بخصائصه السياسية والإدارية . ويمكن القول أن إنشاء العديد من المراكز التجارية المتطورة في مدينة نصر ومصر الجديدة لم يقضي على مركز مدينة القاهرة والذي استطاع أن يتكيف بشكل أو بآخر وذلك بفضل خصائصه المركزية .
إشكالية البحث
يهدف البحث إلى تحليل ما إذا استطاع مركز مدينة القاهرة الصمود أمام المراكز الثانوية المنتشرة في ضواحي مدينة القاهرة . لعرض هذه الإشكالية يقوم البحث باستعراض الخدمات المركزية التي استطاعت أن تتكامل مع تطور المراكز الثانوية وتلك التي فقدت مكانتها . كما يحلل البحث التغيرات الحضرية التي طرأت على مركز مدينة القاهرة في ظل السياسات الاقتصادية والحضرية التي تبنتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 1952 حتى يومنا هذا . كما يركز البحث على تأثير هذه السياسات على النسيج الاجتماعي وظروف معيشة ساكني القاهرة .
يطرح البحث عدة تساؤلات على مستوى التغيرات في النسيج الاجتماعي والحضري لمنطقة وسط المدينة. هذه التساؤلات تشكل في الوقت نفسه الفرضيات الأساسية للبحث ويمكن تلخيص هذه الأسئلة في النقاط التالية :-
-
ما هو تأثير المركزية السياسية على التحولات الحضرية والاجتماعية لمركز المدينة ؟
-
هل لازال مركز مدينة القاهرة يحتفظ بدوره الاجتماعي في حياة أهل القاهرة على مختلف طبقاتهم الاجتماعية ؟
-
هل قامت المراكز الثانوية المقامة في الضواحي بتغيير شخصية مركز المدينة ؟
-
وهل هذه المراكز الثانوية تلعب دورا تكامليا أم تنافسيا مع مركز المدينة ؟
هيكل البحث
يحتوي البحث على 340 صفحة وتتضمن 296 شكلا توضيحيا وصورة و 33 جدولا وتعتمد على 47 كتاب ومرجع و 46 دورية علمية و 8 رسائل علمية و 11 جريدة ومجلة و العديد من مواقع الانترنت . يتكون البحث من ثلاثة أبواب رئيسية بالإضافة إلى المقدمة النظرية والنتائج العامة للبحث .
تم تناول البحث من خلال ثلاثة محاور
المحور الأول يهدف إلى استعراض تطور السياسات الاقتصادية والحضرية والتي تبنتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 1952 (الباب الأول : الفصلين الأول والثاني) ، وتأثير هذه السياسات على الديناميكية الحضرية والوظيفية لمنطقة وسط مدينة القاهرة وعلى الهرم الاجتماعي لسكان القاهرة (الباب الأول : الفصل الثالث).
المحور الثاني ويهدف إلى تحليل العناصر المكونة لمركزية منطقة وسط المدينة . البحث يحلل مركز مدينة القاهرة كفراغ متعدد الوظائف : وظائف سياسية واجتماعية (الباب الثاني : الفصل الأول) ، وظائف اقتصادية (الباب الثاني : الفصل الثاني) ، ووظائف تجارية (الباب الثاني : الفصل الثالث).
المحور الثالث ويهدف إلى تعريف الأنشطة الحضرية في منطقة وسط المدينة . يستعرض البحث وسائل المواصلات المستخدمة في القاهرة ، كذلك تحليل لمشكلة المرور في منطقة وسط المدينة (الباب الثالث : الفصل الأول) . ثم يستعرض البحث نتائج وتحليل البحث الميداني والذي ينقسم إلى أربعة نقاط أساسية : تعريف حدود مركز مدينة القاهرة ، الأنشطة الاجتماعية في منطقة وسط المدينة ، الصورة الذهنية لمركز مدينة القاهرة ، وفي النهاية المشاكل البصرية والوظيفية في منطقة وسط المدينة (الباب الثالث : الفصل الثاني) .
ينقسم البحث إلى ثلاثة أبواب رئيسية :-
الباب الأول : تطور مركز مدينة القاهرة في ظل السياسات الاقتصادية والحضرية للدولة .
يحتوي الباب الأول على دراسات نظرية وتحليلية مدعومة ببعض الدراسات التطبيقية . يحلل هذا الباب الديناميكية الاجتماعية والسكانية والوظيفية في مركز مدينة القاهرة مع التركيز على السياسات الاقتصادية والحضرية للدولة وتأثيرها على الهرم الاجتماعي لسكان القاهرة بشكل عام وساكني الأحياء المركزية بشكل خاص . ينقسم الباب الأول إلى ثلاثة فصول :
الفصل الأول : مركز مدينة القاهرة بين الاشتراكية والرأسمالية : هذا الفصل يستعرض التغيرات الحادة في السياسات الاقتصادية للدولة ، نرى المجتمع الرأسمالي والسوق المفتوح قبل عام 1952 ، ثم تحولت الدولة في اتجاه الاشتراكية وسياسات التأميم في الفترة الناصرية ، ثم عادت مرة أخرى في اتجاه الانفتاح الاقتصادي أثناء فترة السادات وأخيرا ما يسمى بسياسات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة . و يحاول هذا الفصل تحليل تأثير الاتجاه نحو الرأسمالية على المجتمع المصري .
الفصل الثاني : السياسات الحضرية والعقارية للحكومات المتعاقبة : هذا الفصل يستعرض تطور السياسات الحضرية والإسكان منذ عام 1952 وحتى يومنا هذا . يحلل البحث العلاقة بين سياسات الإسكان وبين السياسات الاقتصادية وكذلك قوانين البناء والإسكان وعلاقتها بسوق العقارات . يحلل هذا الفصل المخططات الإستراتيجية لمدينة القاهرة وما تم تنفيذه بالفعل من هذه المخططات مع التركيز على تحليل المشروعات الخاصة بتطوير منطقة وسط المدينة .
الفصل الثالث : الديناميكية الاجتماعية والسكانية والوظيفية : يستعرض هذا الفصل الآثار المترتبة على التغيرات الاجتماعية والاقتصادية فيما يخص الهرم الاجتماعي لسكان القاهرة بشكل عام وساكني منطقة وسط المدينة بشكل خاص . في هذا الفصل نحاول استعراض الديناميكية السكانية والوظيفية في مركز المدينة مع التركيز على العلاقة بين الحراك الاجتماعي والفراغ الحضري.
الباب الثاني : مركز مدينة القاهرة كفراغ متعدد الوظائف
يقدم الباب الثاني دراسة تحليلية للعناصر المؤثرة على مركزية منطقة وسط المدينة ، يستعرض البحث الخدمات المركزية الموجودة في وسط مدينة القاهرة وأنواعها ودرجه تمركزها مع تحليل منطقة وسط المدينة كمركز متعدد الوظائف . تم استخدام التحليل الكمي والكيفي وذلك لتقييم منطقة وسط المدينة كمنطقة مركزية متعددة الوظائف . وينقسم الباب الثاني إلى ثلاثة فصول :
الفصل الأول : المركزية السياسية والاجتماعية : يحلل هذا الفصل مدى تمركز القوى السياسية والإدارية في وسط مدينة القاهرة ، مع التركيز على المشروع المقترح لتفريغ مركز مدينة القاهرة من المباني الحكومية والإدارية وكمحاولة لتخفيف التكدس المروري . كما يلقى هذا الفصل الضوء على الحركات الاحتجاجية والمظاهرات وارتباطها بالمركزية السياسية لمنطقة وسط مدينة القاهرة .
الفصل الثاني : المركزية الاقتصادية : يستعرض هذا الفصل قطاعين أساسيين مرتبطين بالاقتصاد في مصر وهما قطاع البنوك والشركات وقطاع السياحة . يهدف هذا الفصل إلى تحديد الثقل الاقتصادي لمنطقة وسط المدينة من خلال تحليلي كمي لعدد البنوك الرئيسية وفروعها في القاهرة الخيديوية بالإضافة إلى تحليلي كيفي ويختص بحجم المعاملات البنكية لهذه الأفرع بالمقارنة بحجم التعاملات البنكية لمدينة القاهرة ككل . كما يهتم البحث بتحليل مدى تمركز الخدمات السياحية الموجودة في منطقة وسط المدينة والمتمثلة في الفنادق وشركات السياحة وشركات الطيران .
الفصل الثالث : المركزية التجارية : ويستعرض هذا الفصل الخدمات التجارية الموجودة في منطقة وسط المدينة وتصنيفاتها بدء من محلات البيع بالتجزئة انتهاء بالمراكز التجارية أو المولات . كنتيجة أساسية لانتقال الطبقات الراقية من منطقة وسط المدينة في فترة الستينيات إلى حي المهندسين ثم بعد ذلك إلى مدينة نصر وانتهاء بخروجهم تماما من مدينة القاهرة للسكن في التجمعات الجديدة فإن الكثير من الخدمات الأساسية التي تستهدف هذه الطبقة قد انتقلت على أطراف مدينة القاهرة .
الباب الثالث : مركز مدينة القاهرة من منظور اجتماعي وإنساني
يعتبر هذا الباب هو أساس الدراسة الميدانية للرسالة ، ويستعرض بشكل عام مركز مدينة القاهرة من وجهة نظر المستخدمين وذلك من خلال تحليل نتائج الدراسة الميدانية والتي اعتمدت على عدة مصادر : استمارات الاستبيان ، المقابلات الشخصية ، خرائط الصورة الذهنية . وينقسم الباب الثالث إلى فصلين أساسيين .
الفصل الأول : سهولة الوصول والمشاكل المرورية بوسط المدينة : هذا الفصل يستعرض بشكل تفصيلي العناصر المؤثرة على سهولة الوصول لمركز مدينة القاهرة ، فيستعرض البحث وسائل المواصلات المستخدمة سواء خاصة أو عامة ونقاط التقاطعات الأساسية لها في وسط القاهرة ، كما يستعرض هذا الفصل محاور الحركة الرئيسية في مدينة القاهرة والتي تصل من وإلى مركز المدينة وكذلك نقاط التمركز والتقاطع في الحركة المرورية .
الفصل الثاني : مركز مدينة القاهرة من وجهة نظر مستخدميه : ويتكون هذا الفصل من أربعة محاور رئيسية : تعريف مركز مدينة القاهرة وحدوده البصرية ، الأنشطة الاجتماعية في الفراغ ، الصورة الذهنية لمركز مدينة القاهرة ، وأخيرا المشاكل البصرية والوظيفية من وجهة نظر مستخدمي الفراغ.
يعتمد تعريف حدود مركز مدينة القاهرة على نتائج استبيان يستهدف ثلاثة شرائح من مستخدمي منطقة وسط المدينة وهم : المشاة ، قائدي السيارات ، وسائقي التاكسي . في هذا الاستبيان قام الباحث بتقديم خريطة سياحية لمدينة القاهرة وطلبنا من المبحوثين رسم حدود منطقة وسط المدينة كيفما يروها ، ومن خلال النتائج المجمعة أمكننا رسم خريطة لحدود منطقة وسط البلد بناء على رؤية مستخدمي الفراغ . وهي المنطقة المحصورة بين الثلاث ميادين الرئيسية : التحرير ، العتبة ، رمسيس .
المحور الثاني هو الأنشطة الاجتماعية التي يمارسها مستخدمي مركز مدينة القاهرة ، وبمعنى آخر يحلل هذا المحور الغرض من الذهاب لمنطقة وسط المدينة . وهذه الأنشطة والتي تتراوح بين التنزه والتسوق وحتى التظاهر تشكل فيما بينها مؤشرا هاما للتحولات التي طرأت على الشخصية المصرية في العقود الثلاثة الأخيرة ، فنجد تراجعا ملحوظا للأنشطة الثقافية لصالح الأنشطة الاستهلاكية .
المحور الثالث يختص بالصورة الذهنية لمنطقة وسط المدينة ، واعتمدت على الخرائط الذهنية لعينة مكونة من ثلاثين شخصا ثم قمنا بتحليل العناصر الموجودة في هذه الخرائط لرسم خريطة للصورة الذهنية المجمعة لمنطقة وسط المدينة ومنها يمكن استنتاج العناصر التي تحتاج إلى تطوير من أجل رفع قيمتها البصرية والذهنية لدي مستخدمي الفراغ .
المحور الرابع يختص بالمشاكل البصرية والوظيفية لمركز مدينة القاهرة ، واعتمد هذا المحور على تحليل نتائج استمارة الاستبيان الرئيسية للبحث والتي ركزت على عدة نقاط أساسية ومنها : المظهر العام ، المباني والواجهات ، لوحات الإعلانات ، حالة الشوارع والأرصفة ، البنية الأساسية ، حركة المرور ، أماكن انتظار السيارات ، عناصر فرش الشارع ، استعمالات الأراضي ... الخ . كما حاولنا أن نخصص مساحة لعينة المبحوثين للتعبير عن آرائهم والمشاكل التي يعاني منها مركز مدينة القاهرة والحلول المقترحة من وجهة نظرهم .
نتائج البحث
مركز مدينة القاهرة لا يمثل فقط الفراغ المركزي المجمع للخدمات الأساسية بالمدينة ولكن أيضا العديد من العناصر التي تمثل خصائص المجتمع المصري بمختلف تناقضاته ، ففي هذا المركز نجد القوة والضعف ، الغنى والفقر ، الرقى والانحدار ، الثقافة والجهل ، السعادة والضيق ، العدل والظلم ، الإيجابية والسلبية ، الأمانة والفساد .
ترتبط المركزية الرمزية لمنطقة وسط مدينة القاهرة ارتباطا وثيقا بالفراغ وبعناصره الأساسية المتمثلة في العلامات المميزة والأنشطة الحضرية ومستخدمي الفراغ . ففي مركز مدينة القاهرة نجد المراكز التجارية الحديثة مثل اركيديا مول ونايل تاورز بالقرب من الأسواق الشعبية مثل وكالة البلح أو الأسواق العشوائية والباعة الجائلين ، في مركز مدينة القاهرة نجد المطاعم الراقية والموجودة في فنادق خمسة نجوم والمقامة على كورنيش النيل وفي المقابل نجد الباعة المتجولين لبعض الأطعمة الرخيصة على الكورنيش ، في نفس المنطقة نجد نقابة الصحفيين التي ترمز لحرية الرأي مقامة بالقرب من نادي القضاة والذي يرمز للعدل وعلى النقيض نجد على بعد مئات الأمتار وزارة الداخلية التي كانت دائما رمزا للقهر واستبداد السلطة ، المنطقة المركزية في مدينة القاهرة تضم أحياء الزمالك وجاردن سيتي التي ترمز للأرستقراطية وكذلك حي بولاق أبو العلا أحد الأحياء الشعبية والذي لا يفصله عن حي الزمالك إلا كوبري .
المجتمع القاهري : ثلاثة مراحل من التحولات
يعتبر التحول الحضري لمركز مدينة القاهرة نتيجة أساسية لعدة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية ، وتعتبر هذه العوامل هي المحرك الرئيسي للتغيرات الراديكالية في الهرم الاجتماعي للمصريين ، وفي تصورنا أن هذه التحولات الفراغية والاجتماعية لم تكن مرتبطة بالتغيرات الحادثة في النسيج الاجتماعي والحضري فحسب ولكن أيضا منظومة القيم التي تحكم ردود أفعال المصريين .
توجد ثلاثة محطات رئيسية في حياة المصريين في العصر الحديث كان لهم بالغ الأثر في هذه التحولات المشار إليها : المحطة الأولى هي قيام ثورة الضباط الأحرار عام 1952 ، المحطة الثانية تبدأ في السبعينيات مع بداية مرحلة الانفتاح الاقتصادي ، و أخيرا المحطة الثالثة وتبدأ في التسعينيات مع بداية ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي وما يتبعه من عمليات الخصخصة .
المرحلة الأولى : بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 حرص الضباط الأحرار على دعم وتركيز القوة السياسية في يد مجلس قيادة الثورة وهذه المركزية السياسية المستمدة من نظام الحكم الشمولي كانت لها بالغ الأثر على العديد من المستويات فعلى المستوى العمراني اهتم النظام السياسي بالتأكيد على الأهمية الرمزية لمنطقة وسط مدينة القاهرة ، فعلى الرغم من انتقال مكان إقامة الحاكم من قصر عابدين في وسط المدينة إلى منطقة منشية البكري على أطراف مدينة القاهرة في ذلك الوقت إلا أن مركز مدينة القاهرة لم يفقد أهميته السياسية . اهتم جمال عبد الناصر بتغيير كل ما يرمز للعهد البائد طبقا للتعبير المستخدم في تلك الفترة فتم تغيير أسماء الشوارع والميادين التي لها علاقة بالعائلة الملكية كما اتسمت هذه الفترة بالإهمال المتعمد للتراث المعماري المتمثل في القصور الملكية والتي أصبحت متاحة لجميع أفراد الشعب كما تحول أغلبها لدواوين حكومية أو مدارس ولم تكن هناك أي مخصصات في ميزانية الدولة لصيانة هذه القصور.
من الملاحظ اهتمام جمال عبد الناصر بميدان التحرير على وجه الخصوص والذي استمد اسمه الجديد من الروح الثورية السائدة في تلك الفترة ، ونجد أن النظام السياسي حرص على نقل الأيدلوجية الاشتراكية وكذلك صورة الدولة الحديثة إلى هذا الميدان ، فنجد العديد من المباني التي تم إزالتها واستبدالها بمباني جديدة ترمز لهذه الحقبة والتي حمل بعضها رسالة رمزية تؤكد على قوة النظام السياسي ، ومن هذه المباني نجد فندق النيل هيلتون وجامعة الدول العربية والاتحاد الاشتراكي ومجمع التحرير وعلى بعد مئات الأمتار على كورنيش النيل نجد مبنى الإذاعة والتليفزيون ثم في الجهة المقابلة برج الجزيرة . هذا الاتجاه السائد لتحديث الدولة كان مصحوبا بالرغبة السياسية لمحو الذاكرة المجمعة للمصريين فيما يخص الفترة الملكية وبالتالي حدث نوع من الإهمال أو التدمير المتعمد للتراث المعماري المتصل بهذه الفترة .
إن الفكر الاشتراكي الذي تبناه النظام السياسي في الحقبة الناصرية أدى إلى حراك اجتماعي غير مسبوق. كان الهدف الأساسي لهذه الفترة هو العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات على الشعب بشكل يقضي على الفروق الطبقية والتي كانت موجودة قبل ثورة يوليو 1952 ، إلا أن تطبيق الفكر الاشتراكي أدى إلى تغيرات عميقة في النسيج الاجتماعي للمصريين ، فبعد رحيل الملك فاروق وحاشيته ووضع العديد من إفراد العائلة المالكة تحت الحراسة فقد اختفت الطبقة الأرسطوقراطية ، ومن ناحية أخرى كانت قرارات التأميم والصراع العربي الإسرائيلي هي الأسباب الرئيسية لرحيل عدد كبير من الأجانب واليهود من مصر ، ومن المعروف أن أغلب المحلات التجارية التي كانت تستهدف الطبقات العليا من المجتمع كانت مملوكة وتدار بواسطة اليهود والأجانب ، ومن ثم أصبحت الدولة تدير هذه المشاريع بعد تأميمها ودخولها في منظومة القطاع العام مما أفقدها الحس التجاري والتنافسي وتدريجيا تدهورت الخدمات المقدمة وأصبحت تستهدف الطبقات العاملة بدلا من الطبقات الراقية.
وبعد اختفاء طبقة الأغنياء أصبحت الطبقة الوسطى هي أساس المجتمع وخصوصا أن هذه الطبقة أصبحت تضم فئات جديدة من موظفي الدولة وأصحاب المهن الحرة والتي تمركزت في القاهرة ، هذه الفئات الوافدة إلى القاهرة أصبحت في حاجة لمساكن جديدة ، وبالتالي ظهرت أحياء سكنية جديدة لتضم هذه الطبقة الاجتماعية الجديدة مثل أحياء المهندسين والدقي ومدينة نصر ، ونلاحظ اهتمام ناصر بالطبقات الوسطى والكادحة ويمكن القول أنه استمد شرعيته من مساندة هاتين الطبقتين . ومن ناحية أخرى نجد أن أغلب مؤسسات الدولة كان يديرها ضباط جيش ، وعلى الرغم من تضاؤل الفجوة بين الأجور للشعب المصري فقد انقسم المجتمع المصري إلى فئتين : الحكام والمحكومين .
نجح جمال عبد الناصر في خلق حلم وطني يجمع كل المصريين ، فالكاريزما التي يتمتع بها الريس أهلته لأن يلعب دور زعيم الأمة العربية . إلا أن النظام السياسي في مصر كان حكما شموليا اختفت فيه تماما الممارسات الديموقراطية وذلك بحجة حماية الثورة من أعداء الوطن المتربصين به . وعلى الرغم من تعاظم القيم الاشتراكية في الوعي القومي للمصريين إلا أنهم لم تكن لديهم رؤية واضحة لحدود واجباتهم . ففي الحقيقة أصبحت الدولة هي المسئولة عن توفير الاحتياجات الأساسية للشعب مثل التعليم والسكن والعمل والمواصلات والسلع التموينية .
المرحلة الثانية : وتبدأ مع مرحلة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات . هذه الحقبة أفرزت طبقات اجتماعية جديدة من رجال الأعمال المتخصصين في الاستيراد والتصدير ، حرصت هذه الطبقة على الاستقرار بالقرب من مركز الأعمال في منطقة وسط المدينة والذي يضم البنوك وشركات التأمين ... الخ . وهذا التمركز الاقتصادي أدى إلى تشويه وهدم التراث المعماري الموجود بمنطقة وسط المدينة من أجل البحث عن مسطحات تصلح لاستغلالها كمكاتب ومقرات لشركات استثمارية جديدة ، هذا الاتجاه أغرى أغلب ملاك ومستأجري الوحدات السكنية لتأجيرها من الباطن لهذه الشركات والمكاتب ، كما لجأ البعض لتعلية أكثر من دور بشكل غير قانوني ، كما لجأ البعض إلى التحايل من أجل هدم الوحدات السكنية وبيعها كأرض فضاء لاستغلالها في المشروعات الاستثمارية ، تزايد الطلب وقلة العرض أدي إلى اشتعال أسعار العقارات مقارنة بفترة الستينيات . وبالتالي أصبحت هناك أربعة بدائل لزيادة المسطح المعروض لاستيعاب الطلب على الوحدات : البديل الأول هو تفريغ المناطق العشوائية المتصلة بوسط المدينة مثل منطقة الفوالة وعشش الترجمان ، البديل الثاني يتمثل في إنشاء الأبراج على كورنيش النيل بعد هدم الفيلات الموجودة ، البديل الثالث هو تحويل الشقق السكنية إلى عيادات ومكاتب وشركات ، وأخيرا تعلية المباني لعدة أدوار مخالفة لزيادة المسطح . إلا أن إنشاء كوبري 6 أكتوبر ساهم في ربط منطقة وسط البلد بأحياء الزمالك والمهندسين والدقي ، كما أن أعمال الحفر المتواصل الخاصة بمترو الأنفاق بمنطقة وسط البلد أدى إلى رحيل أغلب الشركات والمكاتب أو على الأقل شراء مقرات بديلة في الجانب الغربي للنيل .
أثرت سياسات الانفتاح الاقتصادي على الهرم الاجتماعي للمصريين ، فقد ظهرت طبقة جديدة من الأغنياء ورجال الأعمال وتكونت هذه الطبقة من عدة فئات اجتماعية ومنها : طبقة المصريين العائدين من دول الخليج برؤوس أموال كافية لبدء مشروع جديد ، مجموعة من ضباط الجيش المتقاعدين وبإمكانهم الاستفادة من شبكة علاقاتهم الاجتماعية ، طبقة من المستفيدين من علاقتهم بالنظام السياسي ، مجموعة من العاملين في البنوك والشركات الاستثمارية ، بقايا الطبقة الارسطوقراطية والتي نجحت في فك الحراسة على أرصدتهم المجمدة ، وفي النهاية الطبقة الطفيلية من الأغنياء الجدد والذين أطلق عليهم لقب القطط السمان . كما يمكن القول أن الطبقة الاجتماعية المتوسطة قد شهدت بدورها حراكا من نوع خاص ، فجزء من هذه الطبقة استطاع أن يطور من مستواه المادي والاجتماعي ويلحق بالطبقة الاجتماعية الأعلى وخصوصا من يسمون بطبقة التكنوقراط من المهندسين والأطباء وأصحاب المهن الحرة ، بينما استقر اجتماعيا وماديا السواد الأعظم من الطبقة المتوسطة دون تغيير يذكر ، ومن ناحية أخرى هبط جزء لا يستهان به من الطبقة الوسطى تحت خط الفقر ولم يستطع أن يتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية لفترة الانفتاح الاقتصادي .
التغيرات الحادثة في المجتمع المصري كان لها بالغ الأثر على سلوكيات والمزاج العام للمصريين فنجد أن طبقة الأغنياء الجدد قد نجحت بشكل أو بآخر في فرض ثقافتهم الخاصة على المجتمع المصري وكان ذلك ظاهرا في التدهور الثقافي الحادث في مصر وازدهار الحياة الليلية وخصوصا في منطقة الهرم وعلى طرف النقيض نجد ظهور طبقة جديدة من التوجه الإسلامي المصاحب لعودة العديد من العاملين بدول الخليج وظهور التيار الإسلامي في الجامعات بتشجيع من النظام السياسي للقضاء على التوجهات الاشتراكية والناصريين . وأصبح التوجه العام للمجتمع ضد الأفكار الاشتراكية التي تبناها النظام الناصري ، ونجد انحسارا واضحا للتوجه القومي لصالح التوجهات الشخصية والنفعية ، كما أن المجتمع المصري الذي كان منتجا في عهد جمال عبد الناصر أصبح مجتمعا استهلاكيا مع بداية فترة الانفتاح .
المرحلة الثالثة : برنامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة . تبنت الدولة منذ التسعينيات برنامج الإصلاح الاقتصادي والذي وجه بعض الضربات الموجعة للمجتمع المصري وخصوصا الطبقة الوسطي وما دونها .
فمن الناحية العمرانية ، لم يشهد مركز مدينة القاهرة تحولات كبيرة كالتي حدثت خلال الحقبة الناصرية ، فأغلب المشروعات التي تمت في بداية عهد مبارك كانت استكمالا للمخطط الاستراتيجي الذي طلب السادات إعداده وتم بالتعاون بين الهيئة العامة للتخطيط العمراني ومعهد التطوير الحضري لإقليم باريس وتم الانتهاء منه بعد تسلم مبارك الحكم وكان من أهم توصياته إنشاء الطريق الدائري وخطوط المترو وتقسيم إقليم القاهرة الكبرى لعدة قطاعات متجانسة يسهل التعامل معها وتطويرها وإنشاء التجمعات العمرانية الجديدة في أطراف مدينة القاهرة . ولكن أغلب هذه المشاريع الكبرى بدأ العمل بها قبل البدء في تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي والذي تبنته حكومة الدكتور عاطف صدقي .
نجد أن التطوير العمراني والحضري لمركز مدينة القاهرة تمثل في بعض المشاريع والتي كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بالمشكلة المرورية ، فنجد أن محافظة القاهرة حاولت الاهتمام بتطوير الميادين الرئيسية كميدان التحرير وميدان عبد المنعم رياض وميدان العتبة وميدان رمسيس ، كما قامت المحافظة بمحاولات لنقل مواقف سيارات الأجرة والمواصلات العامة والميكروباصات خارج نقاط التزاحم في الميادين الرئيسية ، كما ظهرت الحاجة لزيادة أماكن انتظار السيارات فقامت محافظة القاهرة بتخصيص أماكن مدفوعة مسبقا ومميكنة لتلافي استغلال ما يسمى بمنادي السيارات ، كما تم البدء في تنفيذ مشروعات جراجات متعددة الأدوار مثل جراج التحرير وعمر مكرم وأيضا جراج رمسيس الذي تم بناؤه وهدمه دون دراسة مما يعد أحد ظواهر إهدار المال العام ، كما شهدت هذه الفترة إنشاء مشاريع بغرض تسهيل السيولة المرورية في منطقة وسط المدينة مثل نفق الأزهر وكوبري 6 أكتوبر بمراحله المتعددة وكوبري 15 مايو ... الخ ، وعلى الرغم من أن الغرض من هذه المشاريع هو تقليل الاختناق المروري بمركز مدينة القاهرة إلا أن الكثير من هذه المشاريع شكلت عوامل جذب للمرور العابر المخترق لمنطقة وسط المدينة للوصول من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن شرق المدينة إلى غربها مما تسبب في زيادة الاختناق في الكثير من الأحيان .
كما نال المشاة نصيب من الاهتمام فقد قامت محافظة القاهرة بتطوير بعض الأماكن وتخصيصها للمشاة مثل شارع الشواربي ومنطقة سوق التوفيقية وشارع الألفي ومنطقة البورصة ، كما تم زيادة المسطحات الخضراء في بعض الأماكن وخاصة في حي الزمالك والمهندسين ، وتم دراسة التقاطعات والنقاط الخطرة ومناطق عبور المشاة في بعض المناطق الرئيسية كميدان طلعت حرب ، هذا على الرغم من عدم احترام هذه الإشارات ومناطق عبور المشاة في الكثير من الأحيان.
أطلقت محافظة القاهرة مشروع التطوير العمراني والذي يستهدف تطوير حزام المناطق العشوائية المحيط بمدينة القاهرة ، وقد أطلقت المحافظة هذا البرنامج والمكون من ثلاثة استراتيجيات رئيسية : الأولى تهدف إلى إزالة كامل المنطقة العشوائية ونقل سكانها إلى مساكن بديلة بشكل دائم ثم إعادة استخدام الأراضي في أغراض أخرى على سبيل المثال مشروع إنشاء فنادق ومراكز تجارية في منطقة حكر أبو دومة ، حدائق عامة في منطقة عزبة علي أبو النور ، خدمات عامة ومراكز تجارية في منطقة عشش الترجمان والمواردي . الإستراتيجية الثانية تعتمد على نقل السكان بشكل مؤقت إلى مساكن بديلة ، ثم إزالة المنطقة العشوائية تماما وإعادة تخطيطها بشكل سليم مع بناء مساكن صحية وتوفير الخدمات اللازمة ثم إعادة نقل السكان للمساكن الجديدة مع زيادة عدد الوحدات لبيعها وذلك لتمويل المشروع ، وتم تطبيق هذه الاستراتيجية في مساكن زينهم وجزء من مساكن الدويقة . أما الإستراتيجية الثالثة فتعتمد على تطوير المناطق العشوائية دون الحاجة لنقل السكان ويمكن إضافة الخدمات الأساسية التي يحتاجها سكان المنطقة مثل عزبة الوالدة والمسرة . كما قامت المحافظة بالتعاون مع بعض الجهات الأجنبية بنقل بعض الأنشطة الملوثة للبيئة مثل منطقة المدابغ والمدبح بمنطقة السيدة زينب واستغلال الموقع لإنشاء مستشفى سرطان الأطفال .
وكما ظهرت طبقة الأغنياء الجدد المصاحبة لسياسات الانفتاح فقد ظهرت طبقة الفقراء الجدد مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة ونقصد بطبقة الفقراء الجد هنا موظفي الدولة الذين كانوا يشكلون السواد الأعظم للطبقة المتوسطة في الحقبة الناصرية ثم سقطوا تحت خط الفقر نتيجة للسياسات الاقتصادية التي لم تراعي البعد الاجتماعي للمصريين . توجد عدة عوامل أدت لهذا التهور الاجتماعي ومنها سياسات الخصخصة وارتفاع معدلات التضخم وحرب الخليج ، هذه العوامل مجتمعة بالإضافة إلى تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي أدت إلى العديد من المشاكل الاجتماعية والتي تسببت في حالة من عدم الرضا بين الطبقات الوسطى والفقيرة . ومن العجيب أن الحكومة لم تتوقف يوما عن الحديث عن ازدهار الاقتصاد ومؤشرات النمو وارتفاع مستوى معيشة المصريين بشكل عام ، إلا أن هذه التقارير المتفائلة لم تنعكس بشكل ملحوظ على حياة أهل مصر.
شهدت المدن المصرية العديد من المظاهرات الاحتجاجية والاعتصامات بين عامي 2004 و 2009 ، طبقا لتقارير المنظمات الغير حكومية فقد تظاهر حوالي 1.7 مليون شخص في خمسة أعوام ، وكانت المطالب في مجملها فئوية وتطالب بالمزيد من الإصلاح الاجتماعي ، إلا أنه بظهور الحركات الاحتجاجية مثل حركة كفاية و 6 أبريل نجد أن الاحتجاجات بدأت تأخذ الطابع السياسي وهو ما حرك الماء الراكد لعدة أعوام ، والمتتبع لخريطة الاحتجاجات يجد أنها لها مناطق معينة يحرص المتظاهرون على التواجد فيها بشكل رمزي لإيصال رسالة للنظام السياسي ومنها سلالم نقابة الصحفيين كرمز لحرية الرأي ، وأمام نادي القضاة ونقابة المحاميين كرمز للعدالة ، كما يعتبر الجامع الأزهر ومسجد الحسين من المصادر الأساسية للمظاهرات وخاصة تلك التي تخرج لنصرة فلسطين أو لنصرة الإسلام وكذلك تعتبر جامعة القاهرة مصدرا أساسيا للتظاهر وخاصة في القضايا العربية . ونلاحظ بشكل عام أن كل هذه القضايا ذات الصبغة السياسية تم التعامل معها وقمعها وحصارها أمنيا بما يضمن عدم تلاحمها مع المواطنين في الشارع ، بينما أبدى الأمن قدرا أكبر من المرونة مع القضايا الفئوية والاجتماعية التي تخلو من الطابع السياسي ونجد بعض هذه المظاهرات والاعتصمات بالقرب من مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء ، إلا أن هذه المناطق كانت تعتبر من المناطق المحرمة فيما يخص التظاهرات السياسية .
لقد أصبح الاستقرار الاجتماعي في مصر مهددا ، الطبقات الفقيرة لا تهتم بالأحاديث المثارة حول الإصلاح الاجتماعي والسياسي ، فما يعنيهم في المقام الأول هو الحصول على قوت يومهم ، القطاعات العريضة من المصريين أصبحوا مؤمنين أن الحكومة لا تهتم بهم ولا يعتبروا من أولوياتها . وبناء عليه أصبح قطاعا عريضا من الشعب المصري منفصلا عن الواقع ويبحث عن نموذج من الماضي لكي يتبعه : فالمتتبع لنقاشات الناس يجد أن البعض يفتقد فترة السادات وآخرون ينظرون لجمال عبد الناصر على أنه مثلهم الأعلى وقطاعات أخرى تنظر إلى فترة الملك فاروق على أنها الفترة الذهبية لمصر.
بناء على الدراسة التاريخية نلاحظ أن السياسات الحكومية كانت هي المحرك الأساسي للتدهور الحادث في الخدمات الأساسية وكذلك النسيج الاجتماعي والعمراني . ويمكن تلخيص هذه العوامل في الآتي :-
عوامل سياسية : كما هو الحال في قرارات النظام الناصري والإهمال المتعمد للتراث المعماري الذي يرمز للعهد البائد .
عوامل عمرانية وحضرية : التساهل من نظام السادات في مواجهة المناطق العشوائية المقامة حول القاهرة وذلك لإحساس الحكومات بالتقصير تجاه الطبقات الفقيرة فأغلق النظام عينيه في مواجهة التعديات على الأراضي الزراعية.
عوامل اقتصادية : سياسات التأميم ثم الانفتاح الاقتصادي وأخيرا الخصخصة .
عوامل اجتماعية : تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي تجاه الطبقات المتوسطة والفقيرة .
سوء الإدارة : كما هو الحال في عمليات بيع القطاع العام وأملاك الدولة والتي يشوبها الفساد مثل عمر أفندي وقطعة الأرض بالتحرير والمباعة لشركة أكور ، عدم وجود رؤية شاملة وواضحة للتنمية العمرانية المستقبلية ، وفي النهاية البيروقراطية التي قد تقضي على أكثر المشروعات نجاحا .
مركز مدينة القاهرة والمراكز الثانوية : علاقة تنافسية أم تكاملية ؟
تضاعفت المساحة العمرانية لمدينة القاهرة في خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وذلك على أثر التغييرات الهائلة التي قام بها الخديوي إسماعيل من أجل إنشاء مصر الحديثة ، وقد استطاعت القاهرة الخديوية أن تغطي احتياجات العاصمة من الخدمات الأساسية حتى الخمسينيات من القرن الماضي ، بعد التوسع مدينة القاهرة بشكل غير مسبوق وإنشاء الأحياء الجديدة وزيادة أعداد الوافدين إلى القاهرة ظهرت الحاجة إلى إنشاء مراكز جديدة لتغطية المدينة مترامية الأطراف . وعلى الرغم من خروج العديد من الخدمات من مركز مدينة القاهرة إلا أنه لم يفقد مكانته الأساسية سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الرمزي كمركز رئيسي للعاصمة . إلا أنه لوحظ انتقال العديد من الخدمات الاقتصادية نحو الجانب الغربي من النيل نحو المهندسين والدقي مما نتج عنه علاقة تنافسية بين المركزين ، إلا أن قرب المسافة بين المركزين جعل هذه العلاقة تأخذ الطابع التكاملي في كثير من الأحيان.
على الرغم من عدم الثقل الاقتصادي لمدينة القاهرة على المستوى الدولي ، إلا أن الخدمات الاقتصادية والمالية ظلت لفترات طويلة ملتصقة بقلب مدينة القاهرة ، إلا أن طبيعة المباني والتصميم الداخلي لها لم تعد قادرة على التكيف مع الاحتياجات الخاصة بمباني الخدمات المالية كمكافحة الحريق والنظم التكنولوجية الحديثة للاتصالات وكذلك المسطحات اللازمة لاستقبال الجمهور ... الخ ، ومن ثم نشأ الاحتياج لبناء مباني جديدة في ضواحي مدينة القاهرة وفي المدن الجديدة والتي توفر المسطحات اللازمة .
ومن خلال تحليل الديناميكية الوظيفية بمركز مدينة القاهرة نجد أن مركز مدينة القاهرة يحتوي على ثلاثة مراكز ثقل رئيسية والتي تمثل عناصر الجذب لوظائف أخرى وأول هذه العناصر هي البنك المركزي والبورصة ويعتبر عنصر جذب رئيسي لباقي أفرع البنوك الرئيسية في مصر ، وثاني هذه العناصر هو دار القضاء العالي ويجذب حوله العديد من مكاتب المحامين والاستشارات القانونية وثالث هذه العناصر هو المتحف المصري ويشكل عامل جذب لشركات السياحة والطيران وجميع الخدمات السياحية .
انتقلت الطبقات الراقية من مركز مدينة القاهرة إلى الناحية الغربية للنيل في المهندسين والدقي ثم إلى مدينة نصر وفي النهاية إلى التجمعات السكانية في أطراف مدينة القاهرة . هذه الديناميكية كانت مصحوبة بانتقال الخدمات المخصصة لهذه الطبقات لتصحبهم في أماكنهم الجديدة . وعلى الرغم من انتقال قصر الحاكم من قصر عابدين إلى منشية البكري في الحقبة الناصرية ثم إلى الجيزة في فترة السادات ثم إلى منطقة مصر الجديدة في فترة مبارك بينما لم يفقد مركز مدينة القاهرة مكانته السياسية والإدارية . ويمكن القول أن مركز مدينة القاهرة يضم ثلاثة مراكز ثقل معبرة عن المركزية السياسية لمركز مدينة القاهرة . التجمع الأول هو شارع قصر العيني والذي يضم أغلب الوزارات ومجلسي الشعب والشورى . والتجمع الثاني هو شارع 26 يوليو ويضم دار القضاء العالي ونادي القضاة ، أما التجمع الثالث فيقع في شارع رمسيس ويضم أغلب النقابات المهنية . ومن الملاحظ أن هذه التجمعات الثلاثة تعتبر هدفا رئيسيا لجميع الاحتجاجات والمظاهرات سواء التي تنادي بالإصلاح الاجتماعي أو السياسي .
وعلى الرغم من تمركز الخدمات التجارية في منطقة وسط المدينة إلا أنها لا تخدم إلا الشرائح محدودة الدخل من الطبقات الوسطى والطبقات الأكثر فقرا . ونجد أن بعض المراكز التجارية التي تم إنشائها بالقرب من مركز مدينة القاهرة وكانت تستهدف الطبقات الراقية مثل اركيديا مول وبرج التجارة العالمي قد فشلت في جذب هذه الطبقات التي تحتاج أماكن لانتظار السيارات قد لا تتوفر في منطقة وسط المدينة وبالتالي نشأت مجموعة من المراكز التجارية في مدينة نصر وفي المدن الجديدة ، وهذه المراكز الثانوية أصبحت في وضع تنافسي مع مركز المدينة بل قد تكون لعبت نفس الدور الاجتماعي لمركز المدينة .
يخلص البحث إلى أن مركز مدينة القاهرة لا يخدم في الوقت الحالي إلا الطبقة المتوسطة والطبقات الفقيرة ، وبعد انتقال الجامعة الأمريكية إلى القاهرة الجديدة فقد مركز مدينة القاهرة جزء كبير من مرتاديه من الطبقات الغنية وإذا تم تنفيذ المشروع الخاص بنقل الوزارات والمصالح الحكومية من وسط المدينة فسوف يفقد البقية الباقية من الطبقات ذوي الدخل المرتفع والقوة الشرائية العالية والمتمثلة في كبار الموظفين العاملين في هذه الهيئات .
ويوصي البحث بتبني أحد اتجاهين للحفاظ على هوية مركز مدينة القاهرة . الأول يتبنى نقل مركز ثقل وسط المدينة إلى جهة الكورنيش وتحديدا في منطقة مثلث ماسبيرو بشرط عدم إغفال البعد الاجتماعي للسكان الأصليين في منطقة ماسبيرو . أما الاتجاه الثاني فيوصي بتحويل منطقة وسط المدينة إلى مركز ثقافي مفتوح وزيادة مناطق المشاة مع الحفاظ على الروح الثقافية للمنطقة . كما يمكن تحويل المباني ذات القيمة للوزارات والهيئات إلى مباني ثقافية تمارس فيها أنشطة فنية وثقافية كما يمكن هدم المباني التي لا تمثل أي قيمة تراثية وتحويلها إلى جراجات تحت الأرض يعلوها حديقة مفتوحة ومسطحات خضراء .
مركز مدينة القاهرة : البحث عن رؤية شاملة
لا خلاف أن الحكومة ليست جهة استثمارية ولكنها يمكنها أن تستعين بالمستثمرين بعد رسم إستراتيجية للتطوير يستعان بذوي الخبرة من المخططين والمصممين الحضريين وتحت إشراف الجهاز القومي للتنسيق الحضاري . ويمكن للقطاع الخاص تمويل هذه المشاريع بعقود BOT أو يمكن أن تكون هناك شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص بعقود PPP . وبالتالي يمكن للحكومة أن توجه إمكانياتها نحو مشاريع البنية الأساسية من طرق ومياه وصرف صحي أو القطاعات الخدمية كالتعليم والصحة . ويوصي البحث إنشاء مجلس أمناء خاص بالعاصمة ويضم هذا المجلس ممثلين عن الخمسة محافظات التي يضمها إقليم القاهرة الكبرى كما يمكن أن يضم عدة ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني كما يمكن أن يضم عدة ممثلين لسكان القاهرة يتم اختيارهم عن طريق الانتخاب . وتكون مهمة هذا المجلس هو الاشتراك في رسم استراتيجيات التطوير الحضري وتكون حلقة الوصل لفتح الحوار بين الشعب ومتخذي القرار .
المشكلة الأساسية هي أن الحكومات لم تأتي بالانتخاب المباشر لا تستمد شرعيتها من الشعب . وبالتالي لا تستهدف رضا الشعب عنها . فالنظم السياسية قد تتعامل بشئ من المرونة مع استخدام تعبير ( الإصلاح ) إذا كان المقصود به الإصلاح الاجتماعي أو الاقتصادي ولكن هذا التعبير يتم التعامل معه بكثير من الحذر والتحفظ إذا كان يختص بالإصلاح السياسي . هذا الإصلاح السياسي أصبح مطلب للعديد من القوى السياسية على مختلف المستويات ، وطبقا لرؤيتهم يعتبر الإصلاح السياسي هو الحل الأساسي والجذري للمشاكل الاجتماعية والسياسية التي يعاني منها المصريين منذ عدة عقود . لابد أن نعترف أن هناك قنبلة اجتماعية موقوتة قد تنفجر في أية لحظة مما يهدد استقرار المجتمع والسلام الاجتماعي للشعب . لابد أن تبذل الحكومة بعض الجهد لتستعيد شرعيتها المفقودة ولابد أن تستمد وجودها من خلال رضا الشعب عن أدائها وليس من خلال رضا النظام السياسي فحسب . نحن ببساطة في حاجة إلى إصلاح سياسي وهو المدخل الوحيد لحل جميع المشكلات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية . لم يفت الوقت بعد ، ولكن لابد من التحرك سريعا قبل أن تقع الكارثة ويصبح الانفجار متسم بالفوضى .